سيد محمد طنطاوي

339

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

من باب « وعد » ، وأكثر ما يكون استعمالا في حمل الآثام . وقوله * ( وازِرَةٌ ) * : صفة لموصوف محذوف . أي : ولا تحمل نفس آثمة ، إثم نفس أخرى ، وإنما كل نفس مسؤولة وحدها عن أفعالها وأقوالها التي باشرتها ، أو تسببت فيها . وقوله : * ( وإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْه شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ) * مؤكد لمضمون ما قبله ، من مسؤولية كل نفس عن أفعالها . وقوله : * ( مُثْقَلَةٌ ) * صفة لموصوف محذوف ، والمفعول محذوف - أيضا - للعلم به . وقوله * ( حِمْلِها ) * أي : ما تحمله من الذنوب والآثام ، إذ الحمل - بكسر الحاء - ما يحمله الإنسان من أمتعة على ظهره أو رأسه أو كتفه . والمعنى : لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ، وإن تطلب نفس مثقلة بالذنوب من نفس أخرى ، أن تحمل عنها شيئا من ذنوبها التي أثقلتها ، لا تجد استجابة منها ، ولو كانت تلك النفس الأخرى من أقربائها وذوى رحمها . قال - تعالى - : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ واخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِه ، ولا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِه شَيْئاً . . . وقال - سبحانه - : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه . وأُمِّه وأَبِيه . وصاحِبَتِه وبَنِيه . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : ولا تزر نفس وزر أخرى ؟ قلت : لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها ، لا وزر غيرها . فإن قلت : كيف توفق بين هذا ، وبين قوله : ولَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ؟ قلت : تلك الآية في الضالين المضلين ، وأنهم يحملون أثقال إضلالهم لغيرهم ، مع أثقالهم ، وذلك كله أوزارهم ، ما فيها شيء من وزر غيرهم . فإن قلت : فما الفرق بين معنى * ( ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) * وبين معنى : * ( وإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْه شَيْءٌ . . ) * ؟ قلت : الأول في الدلالة على عدل اللَّه - تعالى - في حكمه ، وأنه - تعالى - لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها . والثاني : في أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث . . وإن كان المستغاث به بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ . . .